الشيخ علي النمازي الشاهرودي
352
مستدرك سفينة البحار
قال : لما حمل أبو جعفر ( عليه السلام ) إلى الشام إلى هشام بن عبد الملك . وصار ببابه ، قال هشام لأصحابه : إذا سكت من توبيخ محمد بن علي فلتوبخوه . ثم أمر أن يؤذن له . فلما دخل عليه أبو جعفر ( عليه السلام ) قال بيده : السلام عليكم . فعمهم بالسلام جميعا ، ثم جلس . فازداد هشام عليه حنقا بتركه السلام بالخلافة وجلوسه بغير إذن . فقال : يا محمد بن علي ، لا يزال الرجل منكم قد شق عصا المسلمين ، ودعا إلى نفسه وزعم أنه الإمام سفها وقلة علم . وجعل يوبخه ، فلما سكت أقبل القوم عليه رجل بعد رجل يوبخه . فلما سكت القوم ، نهض قائما ثم قال : أيها الناس أين تذهبون ؟ ! وأين يراد بكم ؟ ! بنا هدى الله أولكم وبنا يختم آخركم ، فإن يكن لكم ملك معجل فإن لنا ملكا مؤجلا ، وليس بعد ملكنا ملك . فأنا أهل العاقبة يقول الله عز وجل : * ( والعاقبة للمتقين ) * . فأمر به إلى الحبس . فلما صار في الحبس تكلم فلم يبق في الحبس رجل إلا ترشفه ( 1 ) وحن عليه . فجاء صاحب الحبس إلى هشام وأخبره بخبره . فأمر به ، فحمل على البريد هو وأصحابه ليردوا إلى المدينة ، وأمر أن لا تخرج لهم الأسواق وحال بينهم وبين الطعام والشراب . فساروا ثلاثا لا يجدون طعاما ولا شرابا حتى إنتهوا إلى مدين فأغلق باب المدينة دونهم ، فشكى أصحابه العطش والجوع . قال : فصعد جبلا أشرف عليهم ، فقال بأعلى صوته : يا أهل المدينة الظالم أهلها ، أنا بقية الله ، يقول الله : * ( بقية الله خير لكم إن كنتم مؤمنين ، وما أنا عليكم بحفيظ ) * . قال : وكان فيهم شيخ كبير ، فأتاهم فقال : يا قوم ، هذه والله دعوة شعيب . والله لئن لم تخرجوا إلى هذا الرجل بالأسواق ، لتؤخذن من فوقكم ومن تحت أرجلكم ، فصدقوني هذه المرة وأطيعوني وكذبوني فيما تستأنفون ، فإني ناصح لكم . قال : فبادروا وأخرجوا إلى أبي جعفر ( عليه السلام ) وأصحابه الأسواق ( 2 ) . وفي رواية أخرى مفصلة : صعد ( عليه السلام ) الجبل المطل على مدينة مدين ، وأهل
--> ( 1 ) الترشف : المص والتقبيل ، كناية عن مبالغتهم في أخذ العلم منه ( عليه السلام ) . ( 2 ) ط كمباني ج 11 / 75 ، وجديد ج 46 / 264 .